البيانات الشخصية تتحول إلى كنز العصر الرقمي

مفهوم – أصبحت البيانات الشخصية في القرن الحادي والعشرين بمثابة “النفط الجديد” المحرك للاقتصاد الرقمي العالمي.

فكل نقرة، أو عملية بحث، أو إعجاب، أو حتى مدة بقاء أمام منشور معين، تُترجم إلى مدخلات قيمة في خوارزميات الشركات الكبرى، وفي حين تقدم هذه الشركات خدمات مجانية ظاهرياً، فإن الثمن الحقيقي الذي يدفعه المستخدم هو خصوصيته وبياناته الشخصية التي تُستغل بطرق متعددة ومبتكرة لتحقيق أرباح طائلة.

كل عملية بحث أو زيارة لموقع أو استخدام تطبيق يمكن أن تنتج بيانات، مثل:

سجل التصفح.
عمليات البحث.
الموقع الجغرافي.
نوع الجهاز.
الوقت الذي يقضيه المستخدم في خدمة معينة.
المنتجات التي يبحث عنها أو يضيفها إلى سلة الشراء.

كيف تستفيد الشركات من البيانات؟

لا تكمن القيمة الاقتصادية لهذه البيانات بالضرورة في كل معلومة منفردة، وإنما في إمكانية جمع كميات كبيرة منها وتحليلها واستخلاص أنماط تساعد الشركات على:

اتخاذ القرارات الاستثمارية والتسويقية.
تحسين المنتجات والخدمات.
فهم سلوك العملاء والتنبؤ به.
توجيه الإعلانات فائقة الاستهداف.

وتوضح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن البيانات أصبحت مدخلا أساسيا للإنتاج، وأن قيمتها لا تتحدد بمجرد حجمها، بل تتأثر بالسياق الذي تستخدم فيه وبقواعد الحوكمة التي تحدد كيفية إنشائها ومشاركتها واستخدامها.

وهنا تظهر إحدى الخصائص الأساسية لاقتصاد البيانات: البيانات ليست سلعة تقليدية لها سعر موحد يمكن وضعه على كل سجل أو معلومة.

فقد تكون معلومة محدودة القيمة بمفردها، لكنها تصبح أكثر فائدة عند ربطها ببيانات أخرى أو استخدامها داخل نموذج تحليلي أو تجاري.

قيمة البيانات الشخصية

لا يوجد حتى الآن سعر محدد لبيانات المستخدم الواحد، ولا يمكن القول مثلا إن بيانات شخص ما تساوي مبلغا محددا من الدولارات.

يرجع ذلك إلى أن قيمة البيانات تتغير بحسب نوعها ودقتها وحداثتها والغرض من استخدامها، فضلا عن إمكانية إعادة استخدامها في أغراض متعددة.

ولهذا تتحدث منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن تعدد طرق تقييم البيانات وصعوبة اعتماد مقياس واحد لقيمتها الاقتصادية.

والأهم اقتصاديا أن قيمة البيانات قد لا تظهر في فاتورة يدفعها المستخدم.

فعندما يستخدم شخص محرك بحث أو منصة اجتماعية أو خدمة رقمية مجانا، قد تكون البيانات الناتجة عن استخدامه جزءا من المدخلات التي تساعد الشركة على تطوير الخدمة أو تحسين الاستهداف الإعلاني أو تحليل سلوك العملاء.

لذلك فإن السؤال الاقتصادي الأهم ليس: كم تدفع الشركة مقابل بيانات الفرد؟ بل: ما القيمة الاقتصادية التي يمكن أن تنتجها البيانات بعد جمعها وتحليلها واستخدامها؟ ومن يستفيد من هذه القيمة؟

وفي هذا السياق، يوضح الخبير في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي هاني البطش -في حديث للجزيرة نت- أن البيانات الشخصية أصبحت أصلا إستراتيجيا لا يُقاس برقم ثابت لبيانات الفرد، مشيرا إلى أن العملية لا تنتج مجرد سجل للمواقع، بل تشكل “بصمة رقمية” متكاملة.

ويضيف البطش أن الذكاء الاصطناعي “لم يعد يكتفي بالمعلومات التي نقدمها عن أنفسنا بل يستطيع تحليل سلوكنا واستخراج استنتاجات واحتمالات”.

وتابع “قد لا أقول للشركة إنني أفكر بشراء سيارة، لكن إذا بحثت وشاهدت مراجعات وقارنت الأسعار، تستنتج الخوارزميات اهتمامي الشديد بالشراء”.

يمكن قياس جزء من اقتصاد البيانات من خلال سوق الإعلان الرقمي، وإن كان من الخطأ اعتبار إيراداته معادلة لقيمة بيانات المستخدمين نفسها.

فقد بلغت إيرادات الإعلان عبر الإنترنت في الولايات المتحدة 294.6 مليار دولار عام 2025، بزيادة 13.9% على أساس سنوي، وفقا لتقرير رابطة الإعلان التفاعلي (IAB) الذي أعدته شركة “برايس ووترهاوس كوبرز” (PwC).

ولا تعني هذه الأرقام أن البيانات الشخصية تساوي 294.6 مليار دولار، فالإعلان الرقمي سوق متكاملة يدخل فيها الإنفاق الإعلاني والمنصات والمحتوى والتقنيات وغيرها، لكنها تكشف حجم الاقتصاد الذي أصبحت البيانات والتحليلات جزءا أساسيا من بنيته.

شاركها

اترك تعليقاً