مسجد الاسلام

من هم المهاجرون ؟ ومن هم الأنصار ؟

مفهوم –  الصحابيّ كلمةٌ مشتقّةٌ من الصحبة؛ بمعنى الرفقة، ويمكن القول إنّ الصحابيّ هو كلّ من قابل الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- وآمن به، ثمّ مات على الإسلام، سواءً روى عنه أم لم يرو، أو قاتل معه أم لم يقاتل، أو طالت فترة لقائه بالرسول أم قصرت، حتى لو رآه من غير أن يُجالسه، أو جالسه ولم يره؛ بسبب علةٍ ما كحال الأعمى أو الأكمه،

ومن الجدير بالذكر أنّ الإجماع انعقد على عدالة الصحابة رضي الله عنهم؛ فهم أصحاب السبق في الإسلام، وقد بذلوا الغالي والنفيس، وقدّموا أنفسم وأموالهم، وهاجروا تاركين أهلهم وأوطانهم في سبيل الله تعالى والدعوة الإسلاميّة، وهم خير البشر بعد الأنبياء والرسل عليهم الصّلاة والسّلام، فقد زكّاهم رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- حين قال: (إن خيرَكم قرني، ثمّ الذين يلونَهم، ثمّ الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)،

وذكرهم الله تعالى في كتابه العزيز حين قال: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)،[٢] وتجدر الإشارة إلى أنّ حُب الصحابة الكرام من غير إفراطٍ، وذكرهم بالخير، وعدم البراءة منهم، وبغض من يكرههم أو يذكرهم بغير الحقّ، كلّ ذلك من الدِّين والإيمان.

قدم رسول الله صل الله عليه وسلم إلى المدينة مهاجرًا ومعه قلة من المسلمين فروا بدينهم من بطش الكفار والمشركين الذي تفنوا في إيذائهم حتى انهم خرجوا وتركوا بيوتهم وأموالهم فرارًا بدينهم، فوجدوا أبواب المدينة مفتوحة على مصرعيها لاستقبال الأحبة فرحبوا بهم وضيفوهم في بيوتهم، فكان أول ما قام به رسول الله هو بناء مسجد للمسلمين يجمع شملهم للعبادة وللتشاور في أمورهم، ثم عمد إلى دعائم هذا المجتمع الإسلامي الجديد الذي شرع في تأسيسه فكان التآخي هو الحل المثالي فآخى بين من هاجروا معه وخرجوا من ديارهم وبين من نصروه وآزروه ومن هنا نشأة أخوة أقوى من أخوة الدم والنسب هي الأخوة في الله، قال الله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة:100] فمن هم المهاجرون؟ ومن هم الأنصار؟

من هم المهاجرون ؟

بعد وفاة أبو طالب عم النبي وزوجته السيدة خديجة رضي الله عنها شعر رسول الله صل الله عليه وسلم بالحزن والضيق وذلك ان الكفار اشتدوا في إيذائهم له ولأصحابه فأمر رسول الله أصحابه بالهجرة إلى يثرب (المدينة) على أن يلحق بهم بعد ذلك وبالفعل بدأ المسلمون في النزوح من مكة ليلًا فكانوا يهاجرون ويتركون كل متعاهم في سبيل الخلاص بنفسهم فسماهم الله من فوق سبع سماوات المهاجرون ووعدهم الجنة. {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سورة التوبة: 100]، والمهاجرون هم، أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، عبدالرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص وغيرهم من المسلمون الأوائل.

من هم الأنصار ؟

الأنصار هم الصحابة الكرام، الذين استقبلوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والمهاجرين -رضي الله عنهم- في المدينة المنورة بعدما هاجروا من مكّة إليهم، فنصروهم وأكرموهم، وآثروهم على أنفسم رغم ما بهم من ضيق الحال،

وكانوا مثالاً يُقتدى في الكرم والإخاء وصدق المحبّة للنبي عليه الصّلاة والسّلام، كما قال تعالى عن الأنصار: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)؛[٤] ولذلك رضي الله تعالى عنهم، وأخبرنا أنّهم من أهل الجنة،

ومن أفضلهم سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وأسيد بن حضير، والبراء بن معرور، ومعاذ بن جبل، وأنس بن مالك، وأسعد بن زرارة، وأنس بن النضر، وجابر بن عبد الله وأبوه عبد الله بن حرام، وحسان بن ثابت رضي الله عنهم أجمعين، بالإضافة إلى ذلك، كان رسول الله -عليه الصّلاة والسّلام- يُحبّهم حباً شديداً، حيث قال: (والَّذي نفسُ مُحمَّدٍ بيدِه لو أخَذ النَّاسُ واديًا وأخَذ الأنصارُ شِعْبًا لَأخَذْتُ شِعْبَ الأنصارِ، الأنصارُ كَرِشي وعَيْبَتي ولولا الهِجرةُ لكُنْتُ امرأً مِن الأنصارِ)،

وينقسم الأنصار إلى قبيلتين أساسيتين، هما: الأوس والخزرج،

وكانوا يُسمّون ببني قَيله؛ وقَيلة هي الأمّ التي تجمع القبيلتين، سمّاهم رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بالأنصار؛ لأنّهم نصروه في الوقت الذي لم يجد فيه نصيراً، وكان إيواؤهم له سبباً لمعاداة العرب والعجم لهم، ولذلك جعل رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- حبهم من الإيمان وبغضهم من النفاق، حيث قال رسول الله: (آيةُ الإيمانِ حُبُّ الأنصارِ، وآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأنصارِ).

بيعة العقبة الأولى

كانت هذه البيعة المباركة نقطة التحوّل والنور الذي أضاء رُكام الظلمات، بعد أن لاقى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سبيل الدعوة إلى الله تعالى أصناف الأذى والصد والإعراض، إذ إنّه -عليه الصلاة والسلام- قضى سنين طويلةً وهو يطوف على القبائل؛ ليلتمس الحليف والنصير، حتى جاء الموعد الذي أراد الله تعالى فيه نصرة دينه، وإعزاز نبيه، وكان ذلك الموعد في موسم الحج من العام الحادي عشر للبعثة؛ حيث التقى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بستة أشخاص من أهل المدينة المنوّرة، ودعاهم إلى الإسلام فأسلموا، ولم يكتفوا بذلك؛ بل رجعوا إلى أهلهم مبلّغين دعوة الإسلام، حتى لم يبقَ بيت من بيوت الأنصار إلا وفيه ذكر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ رجعوا في موسم الحج من العام الذي يليه، وهم اثنا عشر رجلاً، وكانوا اثنين من الأوس وعشرةً من الخزرج، فالتقوا برسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بمنى عند العقبة، وبايعوه هناك بيعة العقبة الأولى، وسُمّيت أيضاً ببيعة النساء، وكانت بنود بيعة العقبة كما وصفها الصحابيّ الأنصاريّ عبادة بن الصامت رضي الله عنه، كما جاء في قول رسول الله: (بايِعوني على أن لا تُشرِكوا باللهِ شيئًا، ولا تَسرِقوا، ولا تَزنوا، ولا تقتُلوا أولادَكم، ولا تأتوا ببُهتانٍ تفتَرونَه بينَ أيديكم وأرجُلِكم، ولا تَعصوا في معروفٍ، فمَن وفَّى منكم فأجرُه على اللهِ، ومَن أصاب من ذلك شيئًا فعوقِبَ في الدنيا فهو كفَّارةٌ له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره اللهُ، فأمرُه إلى اللهِ: إن شاء عاقَبَه وإن شاء عفا عنه)،

فبايعوه على ذلك، ثمّ أرسل معهم مصعب بن عمير؛ ليعلمهم القرآن، ويفقههم في الدين، ويدعو إلى الإسلام في المدينة، وما أنّ نزل مصعب -رضي الله عنه- في بيت أسعد بن زرارة حتى اتخذه مقرّه، وبدأ يدعو الناس؛ فأسلم خلال أشهر قليلةٍ الكثير من الأنصار، ومن الذين أسلموا على يد مصعب في ذلك الوقت: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، ثمّ انتشر الإسلام في المدينة حتى لم يبق بيت من بيوت الأنصار إلا وفيه مسلمون، وقبل موسم الحج من العام نفسه، عاد مصعب بن عمير -رضي الله عنه- إلى النبي عليه الصّلاة والسّلام؛ ليُبشره بما حصل معه في المدينة من إقبال الأنصار على الإسلام، وأنّه سيشهد في هذا العام ما يسُرّ قلبه ويُقرّ عينه.

المؤاخاة بين المهاجرون والأنصار

ضرب الأنصار والمهاجرون أروع الأمثال في التآخي بينهم امتثالًا لأوامر رسول الله، فرحب الأنصار بالمهاجرون وأعطوهم من مالهم وليس هذا فقط بل طلقوا نسائهم حتى يتزوجها المهاجرون، وكذلك المهاجرون لم يعتمدوا على ترحيب الأنصار بهم بل نزلوا إلى سوق العمل ليبيعوا ويشتروا حتى يستطيعوا تدبير نفقاتهم، فضربوا أروع مثال في القضاء على الفوارق الجاهلية والتخلص من العادات القبلية، فيما بينهم.

وهذا عبد الرحمن بن عوف الصحابي الجليل أحد المهاجرين إلى المدينة، آخى رسول الله بينه وبين سعد بن الربيع وكان سعد بن الربيع من أثرياء المدينة، يقول عبد الرحمن: قال لي سعد: إني أكثر الأنصار مالًا فأقسم لك نصف مالي ولي امرأتان فانظر إلى أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال عبد الرحمن: بارك الله لك في اهلك ومالك، وطلب من سعد أن يدله على السوق.

الدروس والعبر المستفادة من المؤاخاة بين المهاجرين و الأنصار

استطاع المهاجرون والأنصار تقديم بعض الدروس والعبر المستفادة والتي ساعدت في بناء مجتمع إسلامي جديد أسس بنيانه على تقوى الله وهذه الدروس هي:

إذابة الفوارق الاجتماعية:

والمقصود بها فوارق النسب والقبيلة فقد كان المهاجرون أهل عزة وكرامة في مكة إلا انهم تركوا مالهم وبيوتهم وكذلك الأنصار وقد كان السائد في المجتمعات الجاهلية هو التعصب للأنساب والفخر بها، ومثال على ذلك قبيلتي الأوس والخزرج الذي طالت الحروب بينهما سنين طويلة، إلا أن الإسلام قد أذاب هذه الفوارق الاجتماعية وهذه العصبية الجاهلية ومما زاد في عملية الترابط بينهم هو التآخي بين جميع المسلمين.

التشاور وتقديم النصيحة:

فقد عمل التآخي على مد جسر من الثقة بين الفريقين فاستطاعوا من خلاله تقديم النصيحة فيما بينهم، وهذا سلمان قد آخى رسول الله بينه وبين أبو الدرداء، فلما وجد سلمان أن أبا الدرداء مهمل لحياته ولزوجته وعاكف على العبادة قدم له النصيحة فقال: إن لربك عليك حق، ولنفسك عليك حق ولأهلك عليك حق فأعط كل ذي حق حقه.

المحبة في الله:

وهذه إحدى المعاني التي رسخت معن التآخي عن المسلمين فالحب بينهم في الله ويوم القيامة يقول الله تعالي فيهم: «أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي»[رواه مسلم]. الإيثار على النفس: فقد كان شأن جميع الأنصار أن أثروا إخوانهم من المهاجرين على أنفسهم فقدموا أموالهم وبيوتهم ابتغاء مرضات الله فقال الله فيهم: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [سورة الحشر: 9] :