سيرة خالد بن الوليد سَيفُ اللهِ المسلول

مفهوم – الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد، من رَغَّبَ بالعَملِ للجنانِ، وحذر من سلوك الطريق الموصل للنيرانِ. وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين. يقول الله تبارك وتعالى ﴿ مِنَ المُؤمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدوُاْ اللهَ عَلَيهِ فَمِنهُم مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنهُم مَّنْ يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبدِيلاً ﴾ [سورة الأحزاب آية 23]. من هؤلاء الأبطال الأفذاد الصادقين الموفين بعهودهم الصابرين الذين أقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وخافوا من الله حق الخوف وزكوا أنفسهم حتى صارت نفوسًا مطمئنة، رجل أحب الجهاد في سبيل الله حتى دخل شغاف قلبه، شغفه حبًا، ولكن مات على فراشه ولم يمت في أرض المعركة، إنه سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه وجزاه عن الإسلام خير الجزاء.

مولده

ولد خالد بن الوليد قبل بعثة النبى صلى الله عليه وسلم ب 12 عام، امه هى لبابة بنت الحارث، من أعرق القبائل العربية، وهى اخت ميمونة أم المؤمنين، وكعادة قريش أرسل خالد الى احدى القبائل فى الصحراء حيث هواء الصحراء النقى الذى أعطاه القوة، وتشكلت شخصية خالد القوية من هنا، وأصيب فى طفولته بمرض الجدرى وهذا ترك أثر فى وجه ولكن لم يؤثر على وسامته، والده هو الوليد بن المغيرة زعيم بنى مخزوم، كان يلقب بالوحيد لانه كان فريدا فى صفاته، وكان بنى مخزوم مسئولون عن شئون الحرب والسلاح والتجارة، فكان لهم من المال ما لاحد غيرهم، فكان معظم وقت خالد يقضيه فى التدريب على الفروسية وركوب الخيل، فكان خالد واحد من افضل الفرسان فى البلاد العربية، وكان خالد يجيد استخدام كل أنواع الأسلحة، وكان يتفوق فى استخدام الرمح، وكان يقاتل بسيفين فى نفس الوقت،وهذ أمر لم يحسنه الا هو والزبير بن العوام رضى الله عنهما، كان طويل فوق المترين، حتى انه عندما كان يركب على الفرس كانت رجليه تصل للارض، وكان نحيف لكنه قوى، له هيبة، فقد تجمعت له صفات الشرف.

وينتمي خالد إلى قبيلة “بني مخزوم” أحد بطون “قريش” التي كانت إليها “القبة” و”الأعنة”، وكان لها شرف عظيم ومكانة كبيرة في الجاهلية، وكانت على قدر كبير من الجاه والثراء، وكانت بينهم وبين قريش مصاهرة متبادلة.

وكان منهم الكثير من السابقين للإسلام؛ منهم: “أبو سلمة بن عبد الأسد”، وكان في طليعة المهاجرين إلى الحبشة، و”الأرقم بن أبي الأرقم” الذي كانت داره أول مسجد للإسلام، وأول مدرسة للدعوة الإسلامية.

وكانت أسرة “خالد” ذات منزلة متميزة في بني مخزوم؛ فعمه “أبو أمية بن المغيرة” كان معروفًا بالحكمة والفضل، وكان مشهورًا بالجود والكرم، وهو الذي أشار على قبائل قريش بتحكيم أول من يدخل عليهم حينما اختلفوا على وضع الحجر الأسود وكادوا يقتتلون، وقد مات قبل الإسلام.

وعمه “هشام بن المغيرة” كان من سادات قريش وأشرافها، وهو الذي قاد بني مخزوم في “حرب الفجار”.

وكان لخالد إخوة كثيرون بلغ عددهم ستة من الذكور هم: “العاص” و”أبو قيس” و”عبد شمس” و”عمارة” و”هشام” و”الوليد”، اثنتين من الإناث هما: “فاطمة” و”فاضنة”.

الوليد بن المغيرة

أما أبوه فهو “عبد شمس الوليد بن المغيرة المخزومي”، وكان ذا جاه عريض وشرف رفيع في “قريش”، وكان معروفًا بالحكمة والعقل؛ فكان أحدَ حكام “قريش” في الجاهلية، وكان ثَريًّا صاحب ضياع وبساتين لا ينقطع ثمرها طوال العام.كان  رجل غنى، ورغم غناه إلا أنه كان يعمل بنفسه أحيانا، فكان يشغل نفسه بالتجارة وكان ينظم القوافل التجارية، كثير من العلماء يقولون أن الآية التي نزلت ( وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) فقد كان يتمنى العرب أن ينزل القرآن على الوليد بن المغيرة فقد كان يجمع بين الغنى والعسكرية والشرف، وقد كان الوليد ضمن الوفد الذي ذهب الى أبى طالب ليعرضوا عليه أن يعطوه عمارة ابن الوليد ليكون ولد له وكان عمارة وسيم بطل من أبطال قريش على أن يعطيهم محمد، فرفض أبو طالب بقوة هذا العرض وقال ” والله لا أظن هذا عدلا تعطوني ابنكم اطعمه واربيه وأعطيكم ابني تقتلونه”، ثم عرضوا عليه أن يعطوا محمد ما يريد إن كان يريد ملكا ملكوه عليهم، وإن كان يريد مالا جمعوا له المال، وقد قابل النبى هذا العرض وقال لعمه “والله يا عم لو وضعوا الشمس فى يمينى والقمر فى شمالى على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ماتركته”، ذات مرة قرر الوليد أن يدخل فى مفاوضات مباشرة مع النبي صلى الله عليه وسلم وكان النبي يطمع فى اسلام الوليد لان إسلامه سيدخل الكثير من قريش في الإسلام، ثم زار محمد فى بيته وقال له حدثنى ماذا تقول، فقرأ له النبى آيات القرآن بصوت جميل ومؤثر، فأثرت هذه الايات فى نفس الوليد واستقرت فى قلبه، ورجع الوليد من هذا اللقاء متأثرا، فجلس أبو جهل يفكر كيف يمنع الوليد من زيارة النبي مرة أخرى، فقال له “يا وليد إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا”، فتجب الوليد وقال ” لماذا “، فقال أبو جهل ” ليعطوك إياه”، فإنهم يقولون انك تذهب الى محمد كي تصيب من طعامهم، فغضب الوليد غضبا شديدا، وقال له ” والله أنا لا أذهب إليه لتصيب من طعامه، ولكنى اسمع كلام عجيب، ووالله ما منكم رجل أعرف بالأشعار مني ولا بأشعار الجن منى، والله ما يشبه الذي يقوله شىء من هذا، والله إن لقوله لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وان أعلاه لمثمر، وان أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته”، ثم قال له أبو جهل إذن فقل فيه قولا نكرهه، ففكر الوليد كثيرا ثم قال أنه ساحر، يفرق بين الرجل وزوجته، والولد وأبيه.

معاداته للإسلام والمسلمين

وكان “خالد” –كغيره من أبناء “قريش”– معاديًا للإسلام ناقمًا على النبي (صلى الله عليه وسلم) والمسلمين الذين آمنوا به وناصروه، بل كان شديد العداوة لهم شديد التحامل عليهم، ومن ثَم فقد كان حريصًا على محاربة الإسلام والمسلمين، وكان في طليعة المحاربين لهم في كل المعارك التي خاضها الكفار والمشركون ضد المسلمين.

وكان له دور بارز في إحراز النصر للمشركين على المسلمين في غزوة “أحد”، حينما وجد غِرَّة من المسلمين بعد أن خالف الرماة أوامر النبي (صلى الله عليه وسلم)، وتركوا مواقعهم في أعلى الجبل، ونزلوا ليشاركوا إخوانهم جمع غنائم وأسلاب المشركين المنهزمين، فدار “خالد” بفلول المشركين وباغَتَ المسلمين من خلفهم، فسادت الفوضى والاضطراب في صفوفهم، واستطاع أن يحقق النصر للمشركين بعد أن كانت هزيمتهم محققة.

كذلك فإن “خالدا” كان أحد صناديد قريش يوم الخندق الذين كانوا يتناوبون الطواف حول الخندق علهم يجدون ثغرة منه؛ فيأخذوا المسلمين على غرة، ولما فشلت الأحزاب في اقتحام الخندق، وولوا منهزمين، كان “خالد بن الوليد” أحد الذين يحمون ظهورهم حتى لا يباغتهم المسلمون.

وفي “الحديبية” خرج “خالد” على رأس مائتي فارس دفعت بهم قريش لملاقاة النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه، ومنعهم من دخول مكة، وقد أسفر الأمر عن عقد معاهدة بين المسلمين والمشركين عرفت باسم “صلح الحديبية”.

وقد تجلت كراهية “خالد” للإسلام والمسلمين حينما أراد المسلمون دخول مكة في عمرة القضاء؛ فلم يطِق خالد أن يراهم يدخلون مكة –رغم ما بينهم من صلح ومعاهدة– وقرر الخروج من مكة حتى لا يبصر أحدًا منهم فيها.

إسلامه

أسلم خالد في (صفر 8 هـ= يونيو 629م)؛ أي قبل فتح مكة بستة أشهر فقط، وقبل غزوة مؤتة بنحو شهرين.

ويروى في سبب إسلامه: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال للوليد بن الوليد أخيه، وهو في عمرة القضاء: “لو جاء خالد لقدّمناه، ومن مثله سقط عليه الإسلام في عقله”، فكتب “الوليد” إلى “خالد” يرغبه في الإسلام، ويخبره بما قاله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيه، فكان ذلك سبب إسلامه وهجرته.

حَدَّثَ سيدنا خالد عن مسيره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة المنورة ليأخذ دوره في قافلة المؤمنين فقال: ووددت لو أجد من أُصاحِبُ، فلقيت عثمان بن طلحة، فذكرت له الذي أريد فأسرع الإجابة، وخرجنا جميعا فأدلجنا سحرًا، فلما كنا بالسهل إذا عمرو بن العاص، فقال مرحبًا بالقوم، قلنا: وبك، قال: أين مسيركم؟ فأخبرناه، وأخبرنا أيضًا أنه يريد النبي ليسلم، فاصطحبنا حتى قدمنا المدينة أول يوم من صفر سنة ثمان. فلما طلعت على رسول الله سلمت عليه بالنبوة فرد علي السلام بوجه طلق. فأسلمت وشهدت شهادة الحق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « قد كنت أرى لك عقلا رجوت ألا يسلمك إلا إلى خير ». وبايعت رسول الله وقلت: استغفر لي كل ما أوضعت فيه من صد عن سبيل الله، فقال: « إنَّ الإسلامَ يَجُبُ مَا قَبْلَهُ ». قُلْتُ: يا رسول الله على ذلك فقال: اللَّهُمَّ اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صد عن سبيلك، قال: وتقدم عمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة، فأسلما وبايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

سيف الله في مؤتة

وكانت أولى حلقات الصراع بين خالد والمشركين –بعد التحول العظيم الذي طرأ على حياة خالد وفكره وعقيدته– في (جمادى الأولى 8هـ = سبتمبر 629م) حينما أرسل النبي (صلى الله عليه وسلم) سرية الأمراء إلى “مؤتة” للقصاص من قتلة “الحارث بن عمير” رسوله إلى صاحب بصرى.

وجعل النبي (صلى الله عليه وسلم) على هذا الجيش: “زيد بن حارثة” ومن بعده “جعفر بن أبي طالب”، ثم “عبد الله بن رواحة”، فلما التقى المسلمون بجموع الروم، استشهد القادة الثلاثة الذين عينهم النبي (صلى الله عليه وسلم)، وأصبح المسلمون بلا قائد، وكاد عقدهم ينفرط وهم في أوج المعركة، وأصبح موقفهم حرجًا، فاختاروا “خالدًا” قائدًا عليهم.

واستطاع “خالد” بحنكته ومهارته أن يعيد الثقة إلى نفوس المسلمين بعد أن أعاد تنظيم صفوفهم، وقد أبلى “خالد” – في تلك المعركة – بلاء حسنًا، فقد اندفع إلى صفوف العدو يعمل فيهم سيفه قتلاً وجرحًا حتى تكسرت في يده تسعة أسياف.

وقد أخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) أصحابه باستشهاد الأمراء الثلاثة، وأخبرهم أن “خالدًا” أخذ اللواء من بعدهم، وقال عنه: “اللهم إنه سيف من سيوفك، فأنت تنصره”. فسمي خالد “سيف الله” منذ ذلك اليوم.

وبرغم قلة عدد جيش المسلمين الذي لا يزيد عن ثلاثة آلاف فارس، فإنه استطاع أن يلقي في روع الروم أن مددًا جاء للمسلمين بعد أن عمد إلى تغيير نظام الجيش بعد كل جولة، فتوقف الروم عن القتال، وتمكن خالد بذلك أن يحفظ جيش المسلمين، ويعود به إلى المدينة استعدادًا لجولات قادمة.

فتح مكة

تنكث قريش عهدها مع الرسول الله صلى الله عليه وسلم فيتحرك المسلمون تحت قيادته لفتح مكة،

 فخرج النبي (صلى الله عليه وسلم) في نحو عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار؛ لفتح “مكة” في (10 من رمضان 8هـ = 3 من يناير 630م)، جعله النبي (صلى الله عليه وسلم) على أحد جيوش المسلمين الأربعة، وأمره بالدخول من “الليط” في أسفل مكة، فكان خالد هو أول من دخل من أمراء النبي (صلى الله عليه وسلم)، بعد أن اشتبك مع المشركين الذين تصدوا له وحاولوا منعه من دخول البيت الحرام، فقتل منهم ثلاثة عشر مشركًا، واستشهد ثلاثة من المسلمين، ودخل المسلمون مكة – بعد ذلك – دون قتال.

وبعد فتح مكة أرسل النبي (صلى الله عليه وسلم) خالدًا في ثلاثين فارسًا من المسلمين إلى “بطن نخلة” لهدم “العزى” أكبر أصنام “قريش” وأعظمها لديها.

ثم أرسله – بعد ذلك – في نحو ثلاثمائة وخمسين رجلاً إلى “بني جذيمة” يدعوهم إلى الإسلام، ولكن “خالدًا” – بما عُرف عنه من البأس والحماس – قتل منهم عددًا كبيرًا برغم إعلانهم الدخول في الإسلام؛ ظنًا منه أنهم إنما أعلنوا إسلامهم لدرء القتل عن أنفسهم، وقد غضب النبي (صلى الله عليه وسلم) لما فعله خالد وقال: “اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد”، وأرسل “عليًا بن أبي طالب” لدفع دية قتلى “بني جذيمة”.

وقد اعتبر كثير من المؤرخين تلك الحادثة إحدى مثالب “خالد”، وإن كانوا جميعًا يتفقون على أنه أخطأ متأولاً، وليس عن قصد أو تعمد. وليس أدل على ذلك من أنه ظل يحظى بثقة النبي (صلى الله عليه وسلم)، بل إنه ولاه – بعد ذلك – إمارة عدد كبير من السرايا، وجعله على مقدمة جيش المسلمين في العديد من جولاتهم ضد الكفار والمشركين.

ففي “غزوة حنين” كان “خالد” على مقدمة خيل “بني سليم” في نحو مائة فارس، خرجوا لقتال قبيلة “هوازن” في (شوال 8هـ = فبراير 630م)، وقد أبلى فيها “خالد” بلاءً حسنًا، وقاتل بشجاعة، وثبت في المعركة بعد أن فرَّ من كان معه من “بني سليم”، وظل يقاتل ببسالة وبطولة حتى أثخنته الجراح البليغة، فلما علم النبي (صلى الله عليه وسلم) بما أصابه سأل عن رحله ليعوده.

ولكن هذه الجراح البليغة لم تمنع خالدًا أن يكون على رأس جيش المسلمين حينما خرج إلى “الطائف” لحرب “ثقيف” و”هوازن”.

ثم بعثه النبي (صلى الله عليه وسلم) – بعد ذلك – إلى “بني المصطلق” سنة (9هـ = 630م)، ليقف على حقيقة أمرهم، بعدما بلغه أنهم ارتدوا عن الإسلام، فأتاهم “خالد” ليلاً، وبعث عيونه إليهم، فعلم أنهم على إسلامهم، فعاد إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فأخبره بخبرهم.

وفي (رجب 9هـ = أكتوبر 630م) أرسل النبي (صلى الله عليه وسلم) “خالدًا” في أربعمائة وعشرين فارسًا إلى “أكيدر بن عبد الملك” صاحب “دومة الجندل”، فاستطاع “خالد” أسر “أكيدر”، وغنم المسلمون مغانم كثيرة، وساقه إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فصالحه على فتح “دومة الجندل”، وأن يدفع الجزية للمسلمين، وكتب له النبي (صلى الله عليه وسلم) كتابًا بذلك.

وفي (جمادى الأولى 1هـ = أغسطس 631م) بعث النبي (صلى الله عليه وسلم) “خالدًا” إلى “بني الحارث بن كعب” بنجران في نحو أربعمائة من المسلمين، ليخيرهم بين الإسلام أو القتال، فأسلم كثير منهم، وأقام “خالد” فيهم ستة أشهر يعلمهم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه، ثم أرسل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) يخبره بإسلامهم، فكتب إليه النبي يستقدمه مع وفد منهم.

يقاتل المرتدين ومانعي الزكاة

وبعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) شارك “خالد” في قتال المرتدين في عهد “أبي بكر الصديق” – رضي الله عنه – فقد ظن بعض المنافقين وضعاف الإيمان أن الفرصة قد أصبحت سانحة لهم – بعد وفاة النبي – للانقضاض على هذا الدين، فمنهم من ادعى النبوية، ومنهم من تمرد على الإسلام ومنع الزكاة، ومنهم من ارتد عن الإسلام. وقد وقع اضطراب كبير، واشتعلت الفتنة التي أحمى أوارها وزكّى نيرانها كثير من أعداء الإسلام.

وقد واجه الخليفة الأول تلك الفتنة بشجاعة وحزم، وشارك خالد بن الوليد بنصيب وافر في التصدي لهذه الفتنة والقضاء عليها، حينما وجهه أبو بكر لقتال “طليحة بن خويلد الأسدي” وكان قد تنبأ في حياة النبي (صلى الله عليه وسلم) حينما علم بمرضه بعد حجة الوداع، ولكن خطره تفاقم وازدادت فتنته بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) والتفاف كثير من القبائل حوله، واستطاع خالد أن يلحق بطليحة وجيشه هزيمة منكرة فر “طليحة” على إثرها إلى “الشام”، ثم أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، وكان له دور بارز في حروب الفرس، وقد استشهد في عهد عمر بن الخطاب.

وبعد فرار طليحة راح خالد يتتبع فلول المرتدين، فأعمل فيهم سيفه حتى عاد كثير منهم إلى الإسلام.

القضاء على فتنة مسيلمة الكذاب

بعد أن توفي الرسول عليه الصلاة والسلام وحمل أبو بكر رضي الله عنه مسؤولية الخلافة، هبت أعاصير الردة ونشبت نيران الفتنة في قبائل أسد غطفان وعبس وطيء وذبيان، ثم في قبائل بني عامر وهوازن وسليم وبني تميم وصارت جيوشًا جرارة قوامها عشرات الألوف من المقاتلين، وواجه الإسلام محنة خطيرة، ولكن كان هناك أفضل أولياء أهل الأرض من البشر بعد الأنبياء سيدنا أبو بكر رضي الله عنه الذي عبأ المسلمين وقادهم إلى حيث كانت قبائل بني عبس وبني مرة وذبيان قد خرجوا في جيش كبير، وانتصر المسلمون.

ثم إلى معركة ثانية يكون فيها سيدنا خالد بن الوليد أمير لواء، وقد قال له سيدنا أبو بكر: سمعت رسول الله يقول: « نعم عبد الله، وأخو العشيرة خالد بن الوليد، سيف من سيوف الله، سله الله على الكافرين والمنافقين »، ومضى خالد إلى سبيله ينتقل بجيشه من معركة إلى معركة ومن نصر إلى نصر حتى كانت المعركة الفاصلة « باليمامة » حيث كان بنو حنيفة ومن انحاز إليهم من القبائل قد جيشوا أخطر جيوش الردة قاطبة يقودها مسيلمة الكذاب، وقد جاء الأمر من سيدنا أبي بكر الصديق للقائد البطل خالد بن الوليد أن سِرْ إليهم، وسار سيدنا خالد ولم يكد مسيلمة يعلم أن ابن الوليد في الطريق إليه حتى أعاد تنظيم جيشه ليكون خصمًا رهيبًا وخطرًا حقيقيًا ضد جيوش الحق.

ونزل خالد بجيشه على كثيب مشرف على اليمامة، وأقبل مسيلمة في خيلائه وبغيه وبصفوف جيشه الكثير العدد، وسلم خالد الألوية والرايات لقادة جيشه، والتحم الجيشان ودار قتال وسقط العديد من المسلمين شهداء، ثم أبصر خالد رجحان كفة الأعداء فاعتلى بجواده ربوة قريبة ونظر إلى سير المعركة وصار ينادي فيالق جيشه وأجنحته، ثم صاح بصوته: امتازوا لنرى اليوم بلاء كل حي. فمضى المهاجرون تحت رايتهم والأنصار تحت رايتهم، واشتعلت الأنفس حماسة، وامتلأت عزمًا، وخالد يرسل بين الحين والحين تكبيرة أو تهليلة أو صيحة يلقي بها أمرا، وفي دقائق معدودة تحول اتجاه المعركة وراح جنود مسيلمة يتساقطون بالعشرات، وقتل مسيلمة الكذاب وملأت جثث رجاله وجيشه أرض القتال، وطويت راية الكذاب تحت التراب.

 

فتوحات خالد في العراق

ثم أرسل أبو بكر الصديق توجيهاته إلى خالد بن الوليد أن يمضي بجيشه نحو العراق. ولقد استهل عمله في العراق بكتب أرسلها إلى جميع ولاة كسرى ونوابه على ألوية العراق ومدائنه جاء فيها:

بسم الله الرحمن الرحيم: من خالد بن الوليد … إلى مرازبة فارس….سلام على من اتبع الهدى… أما بعد، فالحمد لله الذي فض خدمكم، وسلب ملككم، ووهن كيدكم…فوالذي لا إله غيره لأبعثنَ إليكم قوما يحبون الموت كما تحبون الحياة.

وجاءت طلائعه التي بثها في كل مكان بأنباء الزحوف الكثيرة التي يعدها له قواد الفرس في العراق، فلم يضيع وقته فاستولى بسرعة كبيرة على الأبلة، والسدير، والنجف، والحيرة، فالأنبار، فالكاظمية، مواكب نصر تتبعها مواكب ترتفع فيها رايات الإسلام. وسار بجيشه الظافر يصحبه النصر حتى وقف على تخوم الشام لمحاربة الروم.

وكان خالد في طليعة القواد الذين أرسلهم أبو بكر لتلك المهمة، واستطاع خالد أن يحقق عددًا من الانتصارات على الفرس في “الأبلة” و”المذار” و”الولجة” و”أليس”، وواصل خالد تقدمه نحو “الحيرة” ففتحها بعد أن صالحه أهلها على الجزية، واستمر خالد في تقدمه وفتوحاته حتى فتح جانبًا كبيرًا من العراق، ثم اتجه إلى “الأنبار” ليفتحها، ولكن أهلها تحصنوا بها، وكان حولها خندق عظيم يصعب اجتيازه، ولكن خالدًا لم تعجزه الحيلة، فأمر جنوده برمي الجنود المتحصنين بالسهام في عيونهم، حتى أصابوا نحو ألف عين منهم، ثم عمد إلى الإبل الضعاف والهزيلة، فنحرها وألقى بها في أضيق جانب من الخندق، حتى صنع جسرًا استطاع العبور عليه هو وفرسان المسلمين تحت وابل من السهام أطلقه رماته لحمايتهم من الأعداء المتربصين بهم من فوق أسوار الحصن العالية المنيعة.. فلما رأى قائد الفرس ما صنع خالد وجنوده، طلب الصلح، وأصبحت الأنبار في قبضة المسلمين.

يواصل فتوحاته في العراق

واستخلف خالد “الزبرقان بن بدر” على الأنبار واتجه إلى “عين التمر” التي اجتمع بها عدد كبير من الفرس، تؤازرهم بعض قبائل العرب، فلما بلغهم مقدم “خالد” هربوا، والتجأ من بقي منهم إلى الحصن، وحاصر خالد الحصن حتى استسلم من فيه، فاستخلف “عويم بن الكاهل الأسلمي” على عين التمر، وخرج في جيشه إلى دومة الجندل ففتحهما.

وبسط خالد نفوذه على الحصيد والخنافس والمصيخ، وامتد سلطانه إلى الفراض وأرض السواد ما بين دجلة والفرات.

الطريق إلى الشام

ثم رأى أبو بكر أن يتجه بفتوحاته إلى الشام، فكان خالد قائده الذي يرمي به الأعداء في أي موضع، حتى قال عنه: “والله لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد”، ولم يخيب خالد ظن أبي بكر فيه، فقد استطاع أن يصل إلى الشام بسرعة بعد أن سلك طريقًا مختصرًا، مجتازًا المفاوز المهلكة غير المطروقة، متخذًا “رافع بن عمير الطائي” دليلاً له، ليكون في نجدة أمراء أبي بكر في الشام: “أبي عبيدة عامر الجراح”، و”شرحبيل بن حسنة” و”عمرو بن العاص”، فيفاجئ الروم قبل أن يستعدوا له.. وما إن وصل خالد إلى الشام حتى عمد إلى تجميع جيوش المسلمين تحت راية واحدة، ليتمكنوا من مواجهة عدوهم والتصدي له.

وأعاد خالد تنظيم الجيش، فقسمه إلى كراديس، ليكثروا في عين عدوهم فيهابهم، وجعل كل واحد من قادة المسلمين على رأس عدد من الكراديس، فجعل أبا عبيدة في القلب على (18) كردسا، ومعه عكرمة بن أبي جهل والقعقاع بن عمرو، وجعل عمرو بن العاص في الميمنة على 10 كراديس ومعه شرحبيل بن حسنة، وجعل يزيد بن أبي سفيان في الميسرة على 10 كراديس.

والتقى المسلمون والروم في وادي اليرموك وحمل المسلمون على الروم حملة شديدة، أبلوا فيها بلاء حسنا حتى كتب لهم النصر في النهاية. وقد استشهد من المسلمين في هذه الموقعة نحو ثلاثة آلاف، فيهم كثير من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

وتجلت حكمة خالد وقيادته الواعية حينما جاءه رسول برسالة من عمر بن الخطاب تحمل نبأ وفاة أبي بكر الصديق وتخبره بعزله عن إمارة الجيش وتولية أبي عبيدة بدلا منه، وكانت المعركة لا تزال على أشدها بين المسلمين والروم، فكتم خالد النبأ حتى تم النصر للمسلمين، فسلم الرسالة لأبي عبيدة ونزل له عن قيادة الجيش.

خالد بين القيادة والجندية

ولم ينته دور خالد في الفتوحات الإسلامية بعزل عمر له وتولية أبي عبيدة أميرا للجيش، وإنما ظل خالد يقاتل في صفوف المسلمين، فارسا من فرسان الحرب وبطلا من أبطال المعارك الأفذاذ المعدودين.

وكان له دور بارز في فتح دمشق وحمص وقنسرين، ولم يفت في عضده أن يكون واحدا من جنود المسلمين، ولم يوهن في عزمه أن يصير جنديا بعد أن كان قائدا وأميرا؛ فقد كانت غايته الكبرى الجهاد في سبيل الله، ينشده من أي موقع وفي أي مكان.

خالد بن الوليد في معركة اليرموك

وجند الخليفة الصديق لهذه الغاية جيوشًا عديدة واختار لإمارتها نفرا من القادة المهرة، فأرسل أبا عبيدة بن الجراح، وعمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان.

وأعد الروم للقتال جيشًا قوامه مائتان وأربعون ألفًا. في هذه الأثناء أرسل سيدنا أبو بكر إلى خالد بن الوليد ليأتي إلى الشام فامتثل سيدنا خالد وأطاع وترك على العراق «المثنى بن حارثة » وسار مع قواته التي اختارها حتى وصل مواقع المسلمين بأرض الشام، ونظم الجيش ونسق مواقعه في وقت وجيز، ووقف سيدنا خالد خطيبًا فحمد ربه وأثنى عليه وقال: إن هذا يوم من أيام الله، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم.

وقد دار قتال ليس لضراوته نظير كما قيل، وأقبل الروم في فيالق كالجبال، وبدا لهم من المسلمين ما لم يكونوا يحتسبون، وأبدى المسلمون شجاعة تبهر الألباب، وأقترب أحدهم من أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه والقتال دائر، وقال له: إني قد عزمت على الشهادة، فهل لك من حاجة من رسول الله حين ألقاه، فقال له أبو عبيدة: نعم قل له: يا رسول الله إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، ويندفع الرجل كالسهم المقذوف يضرب بسيفه، ويضرب بالسيوف حتى يرتفع شهيدا وكان هذا عكرمة ابن أبي جهل. وخرج سيدنا خالد بن الوليد مع مائة من الأبطال الأفذاذ ينقضون على ميسرة جيش الروم وعددها أربعون ألف جندي، وخالد يصيح في المائة الذين معه: والذي نفسي بيده ما بقي من الروم من الصبر والجلد إلا ما رأيتم وإني لأرجو من الله أن يمنحكم أكتافهم.

خالد بن الوليد وأحد أمراء الروم

يروى أن أحد أمراء جيش الروم ويدعى «جرجة بن بوذيها» خرج من الصف واستدعى « خالد بن الوليد» رضي الله عنه للمبارزة فجاء إليه حتى اختلفت أعناق فرسيهما، فقال جرجة: يا خالد أخبرني فاصدقني ولا تكذبني، فإن الحر لا يكذب، ولا تخادعني فإن الكريم لا يخادع، هل أنزل الله على نبيكم سيفًا من السماء فأعطاكه فلا تسله على أحد إلا هزمتهم؟ قال: لا! قال: فبم سميت سيف الله؟ قال: إن الله بعث فينا نبيه فدعانا فنفرنا منه ونأينا عنه جميعا، ثم إن بعضنا صدقه وتابعه، وبعضنا كذبه وباعده، فكنت فيمن كذبه وباعده، ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به وبايعناه، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أنت سيف من سيوف الله سله على المشركين » ودعا لي بالنصر، فسميت سيف الله بذلك فأنا من أشد المسلمين على الكافرين.

فقال: يا خالد إلى ما تدعون ؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله والإقرار بما جاء به من عند الله عز وجل. قال: فمن لم يجبكم؟ قال: فالجزية، قال: فإن لم يعطها، قال نؤذنه بالحرب ثم نقاتله. قال: فما منزلة من يجيبكم ويدخل في هذا الأمر اليوم ؟ قال: منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا. قال جرجة: فلمن دخل فيكم اليوم من الأجر مثل ما لكم من الأجر والذخر؟ قال: نعم. قال: وكيف يساويكم وقد سبقتموه؟ فقال خالد: إنا قبلنا هذا الأمر وبايعنا نبينا وهو حي بين أظهرنا تأتيه أخبار السماء ويخبرنا بالكتاب ويرينا الآيات، وحق لمن رأى ما رأينا، وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع، وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج، فمن دخل في هذا الأمر منكم بحقيقة ونية كان له فضل كبير.

فقال جرجة: بالله لقد صدقتني ولم تخادعني؟ قال: تالله لقد صدقتك وإن الله ولي ما سألت عنه، فعند ذلك قلب جرجة الترس ومال مع خالد وقال: علمني الإسلام، فقال له خالد: قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله فتشهد جرجة ودخل في دين الإسلام، فمال به خالد إلى فسطاطه فصب عليه قربة من ماء ثم صلى به ركعتين. ثم زحف خالد بالمسلمين حتى تصافحوا بالسيوف فضرب فيهم خالد وجرجة من لدن ارتفاع النهار إلى جنوح الشمس للغروب وأصيب جرجة رحمه الله واستشهد ولم يصل لله إلا تلك الركعتين مع خالد رضي الله عنهما.

أثر شعرات النبي في قوة خالد بن الوليد

كان لسيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه قلنسوة وضع في طيها شعرًا من ناصية رسول الله صلى الله عليه وسلم أي مقدم رأسه لما حلق في عمرة الجعرانة، وهي أرض بعد مكة إلى جهة الطائف، فكان يلبسها يتبرك بها في غزواته. وعنه أنه قال: « اعتمرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة اعتمرها فحلق شعره، فسبقت إلى الناصية، فاتخذت قلنسوة فجعلتها في مقدمة القلنسوة، فما وجهت في وجه إلا فتح لي ».

وفاة خالد بن الوليد رضي الله عنه

دخل عليه أبو الدرداء يزوره بسبب مرضه فقال له سيدنا خالد: « إن خيلي وسلاحي على ما جعلته عليه في سبيل الله عز وجل. وداري بالمدينة صدقة، قد كنت أشهدت عليها عمر بن الخطاب، ونعم العون هو على الإسلام، وقد جعلت وصيتي وإنفاذ عهدي إلى عمر ».

فقدم أبو الدرداء بالوصية على سيدنا عمر فقبلها وترحم عليه، ومات البطل العظيم خالد بن الوليد سنة إحدى وعشرين، وحكى من غسله أنه ما كان في جسمه موضع صحيح من بين ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم.

وقيل لقد قال كلمات عند موته: لقد لقيت كذا وكذا زحفًا وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم أو طعن برمح وها أنا أموت على فراشي حتف أنفي فلا نامت أعين الجبناء.

رضي الله عن سيدنا خالد بن الوليد ورحمه وأسكنه الفراديس العلى. وصلى الله وسلم على من رباه وأدبه وعلمه وعلى ءاله وأصحابه الطيبين الطاهرين. والحمد لله أولا وءاخرًا.

شاركها

اترك تعليقاً